الادوية المغشوشة في الهند تتسبب في مآسي متكررة

بواسطة: د.يوسف محمد عثمان
الادوية-المغشوشة-تسبب-مآسي-متكررة-في-الهند

 

في أوائل سبتمبر 2025، أدى وقوع حالات وفاة غير مفهومة للأطفال في بلدة صغيرة بولاية ماديا براديش في الهند إلى استنفار العاملين في القطاع الصحي المحلي. لقي ما لا يقل عن 11 طفلًا تتراوح أعمارهم بين عام وستة أعوام حتفهم خلال أيام من تناولهم شراب سعال شائع حيث ينتشر استهلاك الادوية المغشوشة في الهند. أجرى المسؤولون اختبارات شملت مياه الشرب والبعوض، حتى ظهرت الحقيقة: فشلت كليتا الأطفال.
بعد عدة أسابيع، أكد مختبر حكومي في مدينة تشيناي جنوبًا سبب الوفاة: احتوى الشراب المعني على 48.6% من ثنائي إيثيلين جليكول، وهو مذيب صناعي سام لا يجب أن يوجد في أي دواء، حيث أن الفشل الكلوي يعد نتيجة شائعة لتناول هذا الكحول السام.
لم تقتصر الفاجعة على ولاية ماديا براديش فقط، ففي ولاية راجستان المجاورة، أثارت وفاة طفلين صغيرين، قيل إنهما تناولا شراب ديكستروميثورفان المصنوع محليًا (وهو مثبط للسعال غير آمن للأطفال الصغار جدًا)، حالة من الغضب وفتحت تحقيقًا حكوميًا.
بالنسبة للهند، شكّلت هذه الحوادث حالة من الاسترجاع المؤلم لحوادث سابقة.

فعلى مدى سنوات، تسبب وجود ثنائي إيثيلين غليكول في شراب السعال الهندي في وفاة العشرات من الأطفال. في عام 2023، ارتبطت منتجات شراب السعال الهندية الملوثة بثنائي إيثيلين غليكول بوفاة 70 طفلًا في غامبيا و18 طفلًا في أوزبكستان.
وفي الفترة بين ديسمبر 2019 ويناير 2020، توفي ما لا يقل عن 12 طفلًا دون سن الخامسة في جامو، الخاضعة للإدارة الهندية في كشمير، ويرجح النشطاء أن عدد الوفيات الفعلي قد يكون أعلى. سبق أيضًا تسجيل سوء استخدام لشراب السعال المحتوي على الكوديين، وهو أفيون خفيف يمكن أن يسبب النشوة والإدمان بجرعات مرتفعة، ولا يُوصى به للأطفال الصغار.

سبب تكرار حوادث التسمم من الادوية المغشوشة في الهند

في كل مرة يعد المنظمون بالإصلاح، تعاود الاشربة الملوثة الظهور، في دلالة على سوق أدوية غير مسيطر عليه بسبب وجود نظام رقابي ضعيف، كما يؤكد المنتقدون، يصعب عليه الإشراف على مئات الأنواع منخفضة التكلفة وغير المسجلة التي تنتجها مصانع صغيرة وتباع دون وصفة.
بعد أيام من أحدث وفيات الأطفال، حثت وزارة الصحة الهندية على “الاستخدام الرشيد” لهذه الأدوية، أي تحذير الأطباء من وصفها للأطفال بلا داع، وصادرت عينات من الشراب، وعلّقت الحيازة والبيع، وأمرت بفتح تحقيق. إلا أن المشكلة، وفقًا للمنتقدين، أعمق من مجرد الإفراط في الوصفات الدوائية.

الطلب علي ادوية السعال يتزايد رغم محاولات الحد من وصفها

كل حادثة جديدة تكشف عن خلل بنيوي في منظومة الرقابة الدوائية بالهند، وسط ضعف التنفيذ والتشريعات. من المتوقع أن يرتفع حجم سوق شراب السعال بالهند من 262.5 مليون دولار عام 2024 إلى 743 مليون دولار بحلول عام 2035، بنسبة نمو سنوي مركب تبلغ 9.9%.
كل هذا ما كان ليحدث لو استطاعت الهند وشعبها التخلص من هوسهم بشراب السعال. لعقود، وصفه الأطباء وتناوله المرضى، رغم أن معظم الأنواع ليس لها فائدة كبيرة بل تحمل أضراراً محتملة.

لا حاجة فعلية لهذا النوع من أدوية السعال

تسوّق هذه الاشربة على أنها حل سريع لالتهاب الحلق والسعال ، وهي عبارة عن خليط من السكر واللون والنكهة مع مجموعة من مضادات الهيستامين، والمزيلات للاحتقان، والمقشعات.
نظريًا، لكل مكون وظيفة: تجفيف الإفرازات، وتسييل البلغم، وتهدئة السعال. عمليًا، الأدلة على فعاليتها محدودة وأغلب حالات السعال تتحسن خلال أيام دون علاج.

أسباب اغلب حالات السعال في الهند

ينجم السعال عن عدوى أو استجابة مناعية لمسببات الحساسية. ويوجد نوعان رئيسيان لشراب السعال: مهدئات تساعد الطفل على النوم، وموسعات شعب تساعد على التنفس، وغالبًا ما يصف الطبيب واحدًا فقط وليس خليطًا.
حسب الدكتور راجارام كاري، استشاري الأطفال في مومباي، أغلب السعال المزمن لدى الأطفال في المدن الهندية الملوثة سببه حساسية ومثيرات في الشعب الهوائية وليس عدوى. تحدث الحساسية عندما يبالغ جهاز المناعة في الاستجابة لعوامل مثل الغبار والتلوث.
هؤلاء الأطفال غالبًا يعانون من رشح أو سيلان أنفي وسعال يزداد ليلًا أو صباحًا ويتكرر كل بضعة أسابيع. في المدن الكبرى، غالبًا ما يكون السعال الرطب المتكرر مرتبطًا بالغبار والضباب الدخاني، وأحيانًا يصاحبه ضيق بسيط في الشعب الهوائية.

أفضل علاج لحالات السعال الناتج عن الحساسية في الهند

يرى الدكتور كاري أن أنسب علاج لهذه الحالات هو موسعات الشعب الهوائية (يفضل أن تكون عن طريق بخاخات أو أجهزة التبخير)، رغم أن العديد من الأطباء لا يزالون يصفون الشرابات التي توفر راحة محدودة.
معظم السعال لدى الأطفال سببه العدوى الفيروسية، وهو ذاتي التحسن ويزول تلقائيًا خلال أسبوع. يقول الأطباء إنه لا يوجد شراب يسرّع الشفاء، وأقصى فائدته راحة مؤقتة. أما الأضرار المحتملة فهي الإدمان، السمية، والجرعة الزائدة. يقول الدكتور كاري: “لا أصف عادة شراب السعال للسعال ونزلات البرد العادية، إلا أحيانًا للراحة. إذا كان الطفل يسعل بشدة ولا يستطيع النوم، قد أعطيه شراباً خفيفاً لتخفيف الإزعاج. الهدف الأساسي هو الراحة وليس العلاج، خاصة عندما يكون السعال جافًا نتيجة عدوى فيروسية”.

لماذا توصف أدوية السعال في الهند بشكل متزايد دون الحاجة لها

أحد الأسباب هو ضعف البنية التحتية للرعاية الصحية الأولية وخاصة في البلدات الصغيرة والمناطق الريفية. مع تصاعد تلوث الهواء، يزداد سوء الاستخدام في حالات العدوى التنفسية البسيطة.
الأمر أكثر تفاقمًا في الريف، إذ أن ما يصل إلى 75% من زيارات الرعاية الأولية يديرها مقدمو خدمات غير رسميين أو من يسمون “ممارسو الطب الريفي” بدون تلقيهم تدريب طبي رسمي.
عندما تكون العيادة الصحية العامة بعيدة أو مغلقة أو تعاني من نقص الكوادر، يصبح هؤلاء هم الأطباء الفعليين، والاشربة هي أداتهم الأكثر استخدامًا. يتذكر الدكتور كافيل خان، طبيب أطفال في غوراخبور، أنه “كان يتم توزيع الاشربة في كل مكان، حتى من أشخاص بلا مؤهلات”.
في العديد من هذه البلدات، يعتمد المرضى على أي شخص يبدو ملمًا بالشؤون الطبية – من ممارسين غير رسميين إلى أصحاب المتاجر – حتى في مشاكل السعال الاعتيادية.
يقول دينش ثاكور، المدير التنفيذي الهندي السابق وخبير الصحة العامة: “كثير من المرضى الفقراء يلجؤون إلى الصيدليات المحلية طلبًا للنصيحة، ويفترضون أن الشخص خلف الطاولة صيدلي، لكن هذا الافتراض خاطئ تمامًا في ريف الهند “.
ويضيف: “رغم أن المشكلة تبدو محصورة في المناطق الريفية والمدن الصغيرة، إلا أن هناك بعض البيانات التي تؤكد بأن السلوك هذا موجود أيضًا في المدن الكبرى، والفرق الوحيد هو جودة الأدوية التي يحصل عليها سكان المدن بدرجات أفضل عن الريف”.

عامل آخر يزيد تفاقم المشكلة هو ضغط الأهالي القلقين ونقص المعرفة الطبية.

يقول الدكتور خان: “لا يملك الأهل دائمًا معلومات كافية، وقد يصابون بالقلق. إذا لم يتحسن سعال أو زكام الطفل في أيام قليلة، يلجؤون لطبيب آخر فيصف لهم شراب سعال”.
كما أن نقص المعرفة حتى بين بعض الأطباء يزيد المشكلة. يقول الدكتور خان إنه “شاهد أطباء أطفال حاصلين على شهادات MD يصفون شراب أمبروكسول للأطفال رغم أنه مخصص لتفتيت البلغم، إلا أن الأطفال دون السنتين لا يستطيعون إخراج البلغم، فيمكن أن يتراكم في الرئة ويحدث التهابًا رئويًا، ومع ذلك يتم وصفه”.
تحتاج الهند إلى سياسة واضحة بخصوص شراب السعال وحملة توعية وطنية بين الأطباء والأهالي للحد من الاستخدام غير الرشيد. فالأمر جدي: الطبيب في ماديا براديش الذي وصف ادوية السعال المغشوشة المرتبطة بوفاة الأطفال الأخيرة دافع عن ممارسته قائلاً: “أصف هذا الشراب منذ 15 عامًا.”

تعريف-بكاتب-المقال

تعريف

يوسف محمد عثمان عبد الفتاح , بكالوريوس الصيدلة ، جامعة حلوان بالقاهرة.خبرة 15 عاما كصيدلي و مدير بأكبر سلاسل الصيدليات بالقاهرة.هدفي نقل علمي و معلوماتي لكل شخص لرفع الوعي الطبي و لمنفعة كل الناس. للتواصل : https://www.linkedin.com/in/yousef-osman-273a226a/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top